صفي الرحمان مباركفوري

368

الرحيق المختوم

قلت : نعم . قال : ما لك ؟ فداك أبي وأمي . قلت : هذا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في الناس ، واصباح قريش واللّه . قال : فما الحيلة ؟ فداك أبي وأمي ، قلت : واللّه لئن ظفر بك ليضربن عنقك ، فاركب في عجز هذه البغلة ، حتى آتي بك رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فأستأمنه لك ، فركب خلفي ، ورجع صاحباه . قال : فجئت به ، فكلما مررت به على نار من نيران المسلمين ، قالوا : من هذا ؟ فإذا رأوا بغلة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأنا عليها قالوا : عم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على بغلته . حتى مررت بنار عمر بن الخطاب ، فقال : من هذا ؟ وقام إلي ، فلما رأى أبا سفيان على عجز الدابة قال : أبو سفيان ، عدو اللّه ؟ الحمد للّه الذي أمكن منك بغير عقد ولا عهد ، ثم خرج يشتد نحو رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وركضت البغلة فسبقت ، فاقتحمت عن البغلة ، فدخلت على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ودخل عليه عمر ، فقال : يا رسول اللّه ، هذا أبو سفيان فدعني أضرب عنقه ، قال : قلت : يا رسول اللّه ، إني قد أجرته ، ثم جلست إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فأخذت برأسه ، فقلت : واللّه لا يناجيه الليلة أحد دوني ، فلما أكثر عمر في شأنه قلت : مهلا يا عمر ، فو اللّه لو كان من رجال بني عدي بن كعب ما قلت مثل هذا ، قال : مهلا يا عباس ، فو اللّه لإسلامك كان أحب إلي من إسلام الخطاب ، لو أسلم ، وما بي إلا أني قد عرفت أن إسلامك كان أحب إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من إسلام الخطاب . فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « اذهب به يا عباس إلى رحلك ، فإذا أصبحت فأتني به » فذهبت ، فلما أصبحت غدوت به إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فلما رآه قال : « ويحك يا أبا سفيان ، ألم يأن لك أن تعلم أن لا إله إلا اللّه ؟ » قال : بأبي أنت وأمي ، ما أحلمك وأكرمك وأوصلك ؟ لقد ظننت أن لو كان مع اللّه إله غيره لقد أغنى عني شيئا بعد . قال : « ويحك يا أبا سفيان ، ألم يأن لك أن تعلم أني رسول اللّه ؟ » قال : بأبي أنت وأمي ، ما أحلمك وأكرمك وأوصلك ، أما هذه فإن في النفس حتى الآن منها شيئا . فقال له العباس : ويحك أسلم ، وأشهد أن لا إله إلا اللّه ، وأن محمدا رسول اللّه ، قبل أن تضرب عنقك ، فأسلم وشهد شهادة الحق . قال العباس : يا رسول اللّه إن أبا سفيان رجل يحب الفخر ، فاجعل له شيئا . قال : نعم ، من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن ، ومن دخل المسجد الحرام فهو آمن .